أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
147
العقد الفريد
خذ من نفسك ساعة نشاطك وفراغ بالك وإجابتها إياك ، فإنّ قليل تلك الساعة أكرم جوهرا ، وأشرف حسبا ، وأحسن في الاستماع ، وأحلى في الصدور ، وأسلم من فاحش الخطأ ، وأجلب لكل عين من لفظ شريف ، ومعنى بديع ؛ واعلم أنّ ذلك أجدى عليك مما يعطيك يومك الأطول بالكدّ والمطاولة والمجاهدة ، وبالتكلف والمعاودة ، ومهما أخطأك لم يخطئك أن يكون مقبولا قصدا ، وخفيفا على اللسان سهلا ، وكما خرج من ينبوعه ونجم من معدنه ؛ وإياك والتوعّر ، فإنّ التوعر يسلمك إلى التعقيد ، والتعقيد هو الذي يستهلك معانيك ، ويشين ألفاظك . ومن أراغ معنى كريما فليلتمس له لفظا كريما ، فإنّ حق المعنى الشريف اللفظ الشريف ، ومن حقهما أن تصونهما عما يفسدهما ويهجنهما ، وعما تعود من أجله إلى أن تكون أسوأ حالا منك قبل أن تلتمس إظهارهما ، وترهن نفسك بملابستهما وقضاء حقهما ؛ فكن في ثلاثة منازل : فأوّل ذلك أن يكون لفظك رشيقا عذبا ، أو فخما سهلا ؛ ويكون معناك ظاهرا مكشوفا ، وقريبا معروفا ، إمّا عند الخاصة إن كنت للخاصة قصدت ، وإمّا عند العامّة إن كنت للعامّة أردت ؛ والمعنى ليس يشرف بأن يكون من معاني الخاصة ، وكذلك ليس يتّضع بأن يكون من معاني العامّة ؛ وإنما مدار الشرف على الصواب ، وإحراز المنفعة مع موافقة الحال وما يجب لكل مقام من المقال ؛ وكذلك اللفظ العامي والخاصي ؛ فإن أمكنك أن تبلغ من بيان لسانك ، وبلاغة لفظك ، ولطف مداخلك ، وقدرتك في نفسك - أن تفهم العامّة معاني الخاصة ، وتكسوها الألفاظ المتوسطة التي لا تلطف عن الدهماء ، ولا تجفو عن الأكفاء ، فأنت البليغ التام . فقال له إبراهيم بن جبلة : جعلت فداك ، أنا أحوج إلى تعلمي هذا الكلام من هؤلاء الغلمة . خطبة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في حجة الوداع إنّ الحمد للّه ، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ، ونعوذ باللّه من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا . من يهد اللّه فلا مضلّ له ، ومن يضلّل فلا هادي له ،